الشوكاني

85

فتح القدير

واختلف في تفسير المحروم ، فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنيا فلا يتصدقون عليه ، وبه قال قتادة والزهري . وقال الحسن ومحمد ابن الحنفية : هو الذي لا سهم له في الغنيمة ولا يجري عليه من الفئ شئ . وقال زيد بن أسلم : هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته . قال القرطبي : هو الذي أصابته الجائحة ، وقيل الذي لا يكتسب ، وقيل هو الذي لا يجد غني يغنيه ، وقيل هو الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه ، وقيل هو المملوك ، وقيل الكلب ، وقيل غير ذلك . قال الشعبي : لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم ، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي ، والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع ، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل ، ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته ، ومن حرم العطاء ، ومن حرم الصدقة لتعففه . ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده وصدق وعده ووعيده فقال ( وفي الأرض آيات للموقنين ) أي دلائل واضحة وعلامات ظاهرة من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار ، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة المكذبة لما جاءت به رسل الله ودعتهم إليه ، وخص الموقنين بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل ، فإنه خلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن ينفخ فيه الروح ، ثم تختلف بعد ذلك صورهم وألوانهم وطبائعهم وألسنتهم ، ثم نفس خلقهم على هذه الصفة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس ، ومعنى ( أفلا تبصرون ) أفلا تنظرون بعين البصيرة ، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المتفرد بالألوهية ، وأنه لا شريك له ولا ضد ولا ند ، وأن وعده الحق ، وقوله الحق وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه ، وقيل المراد بالأنفس الأرواح : أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات ( وفي السماء رزقكم ) أي سبب رزقكم ، وهو المطر فإنه سبب الأرزاق . قال سعيد ابن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج . وقيل المراد بالسماء السحاب : أي وفي السحاب رزقكم ، وقيل المراد بالسماء المطر ، وسماه سماء لأنه ينزل من جهتها ، ومنه قول الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم ، قال : ونظيره - وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها - وهو بعيد . وقال سفيان الثوري : أي عند الله في السماء رزقكم . وقيل المعنى : وفي السماء تقدير رزقكم ، قرأ الجمهور " رزقكم " بالأفراد ، وقرأ يعقوب وابن محيصن ومجاهد " أرزاقكم " بالجمع ( وما توعدون ) من الجنة والنار ، قاله مجاهد . قال عطاء : من الثواب العقاب ، وقال الكلبي : من الخير والشر ، قال ابن سيرين : ما توعدون من أمر الساعة ، وبه قال الربيع . والأولى الحمل على ما هو أعم من هذه الأقوال ، فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء ، والقضاء والقدر ينزل منها ، والجنة والنار فيها . ثم أقسم سبحانه بنفسه فقال ( فورب السماء والأرض إنه الحق ) أي ما أخبركم به في هذه الآيات . قال الزجاج : هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات . قال الكلبي : يعني ما قص في الكتاب . وقال مقاتل : يعني من أمر الساعة . وقيل إن " ما " في قوله ( وما توعدون ) مبتدأ وخبره فورب السماء والأرض إنه لحق ، فيكون الضمير لما . ثم قال سبحانه ( مثل ما أنكم تنطقون ) قرأ الجمهور بنصب " مثل " على تقدير : كمثل نطقكم ، وما زائدة ، كذا قال بعض الكوفيون إنه منصوب بنزع الخافض . وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد : أي لحق حقا مثل نطقكم . وقال المازني : إن